ابن حزم
177
جوامع السيرة النبوية
غزوة فتح مكة فأقام عليه السلام بعد مؤتة جمادى ورجبا . ثم حدث الأمر الذي أوجب نقص عهد قريش المعقود يوم الحديبية ، وهو : أن خزاعة كانت في عقد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مؤمنها وكافرها ، وكانت كفار بنى بكر بن عبد مناة ابن كنانة في عقد قريش ، فعدت بنو بكر بن عبد مناة على قوم من خزاعة ، على ماء لهم يقال له : الوتير ، بأسفل مكة . وكان سبب ذلك : أن رجلا يقال له : مالك بن عباد الحضرمي ، حليفا لآل الأسود بن رزن ، خرج تاجرا ، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله ، وذلك قبل الإسلام بمدة ، فعدت بنو بكر بن عبد مناة ، رهط الأسود بن رزن ، على رجل من بنى خزاعة ، فقتلوه بمالك بن عباد . فعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب ، بنى الأسود بن رزن ، فقتلوهم ، وهؤلاء الإخوة أشراف بنى كنانة ، كانوا يودون في الجاهلية ديتين ، ويودى سائر قومهم دية دية . وكل هذه المقاتل قبل الإسلام ؛ فلما جاء الإسلام حجز ما بين من ذكرنا ، واشتغل الناس به . فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية أمن الناس بعضهم بعضا ، فاغتنم بنو الديل من بنى بكر بن عبد مناة تلك الفرصة ، وغفلة خزاعة ، وأرادوا إدراك ثأر بنى الأسود بن رزن . فخرج نوفل بن معاوية الديلي بمن أطاعه من بنى بكر بن عبد مناة ، وليس كلهم تابعه ، جاء حتى بيت خزاعة ، وهم على الوتير ، فاقتتلوا ، ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وأعانهم قوم من قريش بأنفسهم مستخفين ، وانهزمت خزاعة إلى الحرم . فقال قوم نوفل بن معاوية : يا نوفل ، الحرم ، اتق اللّه إلهك . فقال الكافر : لا إله له اليوم ، واللّه يا بنى كنانة إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تدركون فيه ثأركم ؟ فقتلوا رجلا من خزاعة يقال له : منبه ، وانجحرت في دور مكة ، فدخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعي ، ودار مولى لهم اسمه رافع ، وكان هذا نقضا للعهد الواقع يوم الحديبية .